أبي حيان الأندلسي

133

تفسير البحر المحيط

بالرحمة ، ثم ذكر دليل رحمته وهو كونه تعالى * ( لا * يُؤَاخِذُهُم ) * عاجلاً بل يمهلهم مع إفراطهم في الكفر وعداوة الرسول صلى الله عليه وسلم ) ، والموعد أجل الموت ، أو عذاب الآخرة ، أو يوم بدر ، أو يوم أحد ، وأيام النصر أو العذاب إما في الدنيا وإما في الآخرة أقوال . والموئل قال مجاهد : المحرز . وقال الضحاك : المخلص والضمير في * ( مِن دُونِهِ ) * عائد على الموعد . وقرأ الزهري موّلاً بتشديد الواو من غير همز ولا ياء . وقرأ أبو جعفر عن الحلواني عنه مولاً بكسر الواو خفيفة من غير همز ولا ياء . وقرأ الجمهور بسكون الواو وهمزة بعدها مكسورة ، وإشارة تعالى بقوله * ( وَتِلْكَ الْقُرَى ) * إلى القرى المجاورة أهل مكة والعرب كقرى ثمود وقوم لوط وغيرهم ، ليعتبروا بما جرى عليهم وليحذروا ما يحل بهم كما حل بتلك القرى . * ( وَتِلْكَ ) * مبتدأ و * ( الْقُرَى ) * صفة أو عطف بيان والخبير * ( أَهْلَكْنَاهُمْ ) * ويجوز أن تكون * ( الْقُرَى ) * الخبر و * ( أَهْلَكْنَاهُمْ ) * جملة حالية كقوله * ( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً ) * ويجوز أن تكون * ( تِلْكَ ) * منصوباً بإضمار فعل يفسره ما بعده أي وأهلكنا * ( تِلْكَ الْقُرَى * أَهْلَكْنَاهُمْ ) * و * ( تِلْكَ الْقُرَى ) * على إضمار مضاف أي وأصحاب تلك القرى ، ولذلك عاد الضمير على ذلك المضمر في قوله * ( أَهْلَكْنَاهُمْ ) * . وقوله * ( لَمَّا ظَلَمُواْ ) * إشعار بعلة الإهلاك وهي الظلم ، وبهذا استدل الأستاذ أبو الحسن بن عصفور على حرفية * ( لَّمّاً ) * وأنها ليست بمعنى حين لأن الظرف لا دلالة فيه على العلية . وفي قوله * ( لَمَّا ظَلَمُواْ ) * تحذير من الظلم إذ نتيجته الإهلاك وضربنا لإهلاكهم وقتاً معلوماً ، وهو الموعد واحتمل أن تكون مصدراً أو زماناً . وقرأ الجمهور بضم الميم وفتح اللام ، واحتمل أن يكون مصدراً مضافاً إلى المفعول وأن يكون زماناً . وقرأ حفص وهارون عن أبي بكر بفتحتين وهو زمان الهلاك . وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام مصدر هلك يهلك وهو مضاف للفاعل . وقيل : هلك يكون لازماً ومتعدياً فعلى تعديته يكون مضافاً للمفعول ، وأنشد أبو عليّ في ذلك : ومهمه هالك من تعرجاً ولا يتعين ما قاله أبو عليّ في هذا البيت ، بل قد ذهب بعض النحويين إلى أن هالكاً فيه لازم وأنه من باب الصفة المشبهة أصله هالك من تعرجاً . فمن فاعل ثم أضمر في هالك ضمير مهمه ، وانتصب * ( مِنْ ) * على التشبيه بالمفعول ثم أضاف من نصب ، وقد اختلف في الموصول هل يكون من باب الصفة المشبهة ؟ والصحيح جواز ذلك وقد ثبت في أشعار العرب . قال الشاعر وهو عمر بن أبي ربيعة : * أسيلات أبدان دقاق خصورها * وثيرات ما التفت عليها الملاحف * وقال آخر : * فعجتها قبل الأخيار منزلة * والطيبي كل ما التاثت به الأزر * ( * ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاأَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ